الرئيسية » غير مصنف » الثقافة وروح اليقين

الثقافة وروح اليقين

 

(+) الأستاذ/عدي عدنان البلداوي

 

عندما تؤدي المعاناة دورا في حياة الإنسان فإنها إما أن تصنع منه شيئا آخر غير الذي كان عليه، وإما أن تقضي عليه، وذلك بالاعتماد على قدراته في الخروج من هذه المعاناة لتحقيق مايصبو اليه،

مع عدم الاستجابة اليها، ودون اهمال تأثيرها، لأن الاثر الذي تتركه المعاناة هو الذي سيحدث في حياته تلك الانتقالة، أما إذا خضع لتأثيرها فإنها ستأخذه في الاتجاه المعاكس للاتجاه الذي كانت ستأخذه اليه لو تمكن من اعطائها دوراً في حياته دون الوصول بها إلى حد الخضوع لها، وتختلف درجات المعاناة من شخص إلى آخر،حيث تتحكم بذلك ظروف عديدة وملابسات كثيرة قد تجعل  معاناة وهموم البعض أشياء بسيطة في مفهوم  آخرين، إلا أنها وإن كانت بسيطة فهي معاناة، فالإنسان البسيط تشكل عنده متطلبات المعيشة معاناة من حيث توفير مستلزمات العيش ابتداء من سد الرمق عند البعض حتى عوامل الرفاهية عند البعض الآخر، فالجهد الأكبر سيصرف في التفكير بكيفية التغلب على هذه المعاناة التي قد تحمل عند البعض مفهوم الفقر أو حكم القدر وبهذا المفهوم ستتجمد حركة منظومة التفكير وينحصر عملها في مستوى بسيط جدا بينما تحمل عند البعض الآخر مفهوم الطموح الذي سيحرك منظومة التفكير وحسب قدراتها للعمل من اجل توفير ظروف تؤهل للانتقال الى  مستوى أفضل .

أما الإنسان المتعلم فإنه بالاضافة إلى معاناة توفير المستوى المعيشي التي يفترض أنها أخف وطأة من معاناة الإنسان البسيط الذي ليس له إلا نصيب محدود من التعلم، فهناك معاناة الرغبة في الانتقال إلى مستوى المثقف لما يتطلبه ذلك من سعة اطلاع ووعي والتي تحتاج الى أجواء تولد فيها الثقافة، والمعاناة تكمن في إمكانية توفير هذه الأجواء في معترك الحياة.

من ذلك نريد الوصول الى المستوى الثقافي في المجتمع لأن المثقف في أي مجتمع يمثل جوهر النمو لمختلف الطبقات من خلال قيامه بالدور الذي ينبغي عليه  وبين المحافظة على المستوى الثقافي.

إن مجموع المثقفين يشكل الصورة الثقافية واختلاف الثقافات يؤدي الى التنوع الفكري وفي حال القدرة على الاخذ بالفهم الصحيح لماهية الثقافة نتيجة التقيد او الضعف في مواجهة غزو ثقافي معين بسبب قلة الرصيد الثقافي او عدم تجلي روح الثقافة في شخص المثقف سيؤدي الى وجود معاناة تعيشها طبقة المثقفين تتمثل في محدودية ثقافة المثقف، وهذه المحدودية ما لم يراد لها ان تنمو  فإن مشكلة الامية الثقافية يحتاج الى روح ثقافية هو السبب وراء امية المثقفين، وحتى في الشريحة المثقفة نرى ان هناك مثقفا بسيط الثقافة ومثقفا متعلما والمثقف المثقف الذي تسكن فكره  وبدنه روح ثقافية هي سلسلة استمرار حلقات التنمية الواعية مع بعضها بينما تعرض لنا وسائل الاعلام احيانا لقاءات فنرى التعصب الفكري واضحا وان ادلى الطرف الاخر باثباتات تدحض آراء الطرف الأول.

إن تراكم المعلومات ليس بالضرورة مدعاة للقول بثقافة حامل تلك المعلومات فمثل ذلك مثل حامل المعلومات الذي يقلد في القول والعمل دون أن تكون له بصيرة كما يخبرنا قول الإمام علي عليه السلام لكميل عن تصنيف حملة العلم (إن ههنا لعلما جما – وأشار إلى صدره – لو أصبت له حملة، بلى اصبت لقنا غير مأمون عليه، مستعملا آلة الدين للدنيا ومستظهرا بنعم الله على عباده وبحججه على أوليائه ، أو منقادا لحملة الحق، لا بصيرة  له في احنائه، ينقدح الشك في قلبه لأول عارض من شبهة، ألا لا ذا ولا ذلك، أو منهوما باللذة سلس القياد للشهوة، او مغرما بالجمع  والادخار ليسا من رعاة الدين في شيء أقرب شيء شبها بهما الانعام السائمة، كذلك يموت العلم بموت حامليه، اللهم بلى، لاتخلو الأرض من قائم لله بحجة، إما ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا لئلا تبطل حجج الله وبيناته، وكم ذا وأين اولئك ؟ أولئك والله الأقلون عددا والأعظمون قدرا، يحفظ الله بهم حججه وبيناته حتى يودعها نظراءهم ويزرعونها في قلوب أاشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة، وباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعره المترفون، وانسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدان ارواحها معلقة بالمحل الأعلى، اولئك خلفاء الله في  أرضه والدعاة إلى دينه، آه آه شوقا إلى رؤيتهم).

أدت ثورة الانترنت في السنوات الاخيرة دورا كبيرا في وضع كم المعلومات الهائل في متناول المستخدمين كل حسب اهتمامه، وهذا الكم من المعلومات المتوفرة أتاح وسيتيح أكثر مستقبلا المجال لخلق مستوى تعليمي تثقيفي يرقى لولادة روح ثقافية من خلال النهج الحديث في تجاوز ازمات ومعاناة الحصول على المواد العلمية الثقافية، إذ صار بالإمكان سهولة الاتصال والحصول على جواب لكل مايخطر على البال وفي مختلف المجالات وفي كل مكان وزمان، في حين كان يصعب ذلك من غير وسيلة اتصال مثل الانترنت، لما يحتاجه من البحث عن شخص أو مصدر مختص يجيب عن الاستفسارات المطلوبة، وربما يكون ذلك الشخص محتكرا، فلا يدلي إلا بالقليل حرصا منه على أن يبقى هو من يمتلك المعلومات المفصلة في مجاله، لكي لايستغنى عنه، وربما لايكون من هذا النوع، ولكن معلوماته قد تكون محدودة أو ربما غير دقيقة في حين أن مثل هذه المشكلة تجاوزتها شبكة الانترنت عندما جعلت العالم كله في متناول الباحث، فصار بالامكان الاستفسار عن الشيء ومعرفته من أكثر من مصدر ومن مختلف المستويات، ولهذا النوع من النهج العلمي الحديث دوره الإيجابي في منح الباحث فرصة انتقاء الأفضل والأصح، وهنا تشخص معاناة القدرة على صحة الاختيار أو صحة الأخذ،  فربما هناك دس في المعلومات لغرض تعويم مفهوم أو فكرة أو ماشابه وتختلف درجات المعاناة هذه باختلاف ثقافة الباحث وقدراته الثقافية والروحية، وعندما يصل الباحث أو المستخدم العادي للانترنت إلى مستوى القدرة هذا فإن جسد الثقافة لن يبقى فارغا لأن (روح اليقين) التي أشار اليها الإمام علي عليه السلام، ستملأ ذلك الجسد، ولعل مفهوم القوة من أسباب صعوبة الولادة الروحية للثقافة فالذي يفهم القوة على أنها قوة فكر ستكون أرضيته خصبة لنمو روح الثقافة بينما الذي يفهم القوة على أنها قوة عضلة سيكون الرصيد الثقافي عنده عبارة عن منشطات لتحفيز قوة  العضلة على العمل بفرض الآراء وإن كانت خطأ والدفاع عنها وإن كانت عارية، وأي حوار سيكون عبارة عن استعراض للقدرة الكلامية للمتكلم دون استعراض القدرة الثقافية الروحية التي بها يصل الحوار الى نتيجة ايجابية تخدم الثقافة والمتعلم، وقول الامام علي عليه السلام يوضح اصناف حملة العلم وينتهي بمن يراهم عليه السلام أهلا لهذا الدور وهذه الأامانة لكي نحافظ على العلم حيا وإن مات حاملوه.

 

 (+) كاتب من العراق